مجمع البحوث الاسلامية

379

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فالسّبب الّذي من أجله خصّ اللّه السّرابيل بأنّها تقي الحرّ دون البرد ، على هذا القول : هو أنّ المخاطبين بذلك كانوا أصحاب حرّ ، فذكر اللّه تعالى ذكره نعمته عليهم ، بما يقيهم مكروه ما به عرفوا مكروهه ، دون ما لم يعرفوا مبلغ مكروهه ، وكذلك ذلك في سائر الأحرف الأخر . وقال آخرون : ذكر ذلك خاصّة اكتفاء بذكر أحدهما من ذكر الآخر ، إذا كان معلوم عند المخاطبين به معناه ؛ وأنّ السّرابيل الّتي تقي الحرّ تقي أيضا البرد . وقالوا : ذلك موجود في كلام العرب مستعمل . [ ثمّ استشهد بشعر ] وأولى القولين في ذلك بالصّواب ، قول من قال : إنّ القوم خوطبوا على قدر معرفتهم ، وإن كان في ذكر بعض ذلك ، دلالة على ما ترك ذكره ، لمن عرف المذكور والمتروك ؛ وذلك أنّ اللّه تعالى ذكره ، إنّما عدّد نعمه الّتي أنعمها على الّذين قصدوا بالذّكر في هذه السّورة دون غيرهم ، فذكر أياديه عندهم . ( 14 : 156 ) الزّجّاج : قال : تقيكم الحرّ ، ولم يقل : تقيكم البرد ، لأنّ ما وقى من الحرّ وقى من البرد . ( 3 : 215 ) نحوه ابن الجوزيّ . ( 4 : 478 ) الماورديّ : فإن قيل : كيف قال : تَقِيكُمُ الْحَرَّ ولم يذكر البرد ؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة . [ ثمّ ذكر نحو ما تقدّم عن عطاء والفرّاء وأضاف : ] وذكر الحرّ دون البرد تحذيرا من حرّ جهنّم ، وتوقّيا لاستحقاقها بالكفّ عن المعاصي . ( 3 : 206 ) الطّوسيّ : أي تمنعكم من الحرّ ، وخصّ الحرّ بذلك مع أنّ وقايتها للبرد أكثر ، لأمرين : أحدهما : إنّ الّذين خوطبوا بذلك أهل حرّ في بلادهم ، فحاجتهم إلى ما يقي الحرّ أشدّ في قول عطاء . الثّاني : أنّه ترك ذلك ، لأنّه معلوم . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 6 : 413 ) نحوه الخازن ( 4 : 89 ) ، والطّبرسيّ ( 3 : 378 ) . الميبديّ : وقيل : ملابس تدفع عنكم الحرّ والبرد . ولم يذكر البرد لدلالة الحال عليه ، فإنّ ما وقى من الحرّ فقد يقي من البرد . ( 5 : 428 ) الزّمخشريّ : لم يذكر البرد ، لأنّ الوقاية من الحرّ أهمّ عندهم ، وقلّما يهمّهم البرد ، لكونه يسيرا محتملا . وقيل : ما يقي من الحرّ يقي من البرد ، فدلّ ذكر الحرّ على البرد . ( 2 : 423 ) ابن عطيّة : نعم عدّدها اللّه عليهم بحسب أحوالهم وبلادهم ، وأنّها الأشياء المباشرة لهم ، لأنّ بلادهم من الحرارة وقهر الشّمس بحيث للظّلّ غناء عظيم ، ونفع ظاهر . [ إلى أن قال : ] وذكر وقاية الحرّ إذ هو أمسّ في تلك البلاد على ما ذكرنا ، والبرد فيها معدوم في الأكثر ، وإذا جاء في الشّتوات فإنّما يتوقّى بما هو أكنف من السّربال المتقدّم الذّكر ، فتبقى السّرابيل لتوقّي الحرّ فقط . وأيضا فذكر أحدهما يدلّ على الآخر . وهذه الّتي ذكرناها هي بلاد الحجاز ، وإلّا ففي بلاد العرب ما فيه برد شديد . [ واستشهد بالشّعر مرّتين ] ( 3 : 412 ) الفخر الرّازيّ : واعلم أنّ بلاد العرب شديدة الحرّ ، وحاجتهم إلى الظّلّ ودفع الحرّ شديدة ، فلهذا السّبب